Blog

Radicalisation - Salafism

التطرف في الفكر الإسلامي الحالي: طغيان الفكر السلفي
أحمد ادريس

ما من شك أنّ، الفكر الإسلامي قد عرف خلال حقبات طويلة من الزمن تطورات عديدة، و تقلبات تراوحت بين التطرف و الاعتدال. و ما من شكّ أن هذا الفكر كان في معظم الأحيان معتدلا، منسجما مع مبدأ الوسطية المترسخ في الدين الإسلامي. و طويلا ما تبنى الفكر الإسلامي في العصر الحديث مبدأ الوسطية وقدمه على أنّه من المرتكزات الأساسية المحددة للمنهج الإسلامي. إلاّ أنّ ذلك لم يحل دون ظهور تيارات فكرية متطرفة، متعارضة تماما مع مبدأ الوسطية و نافية له. تيارات أميل إلى الغلو في فهم القواعد الدينية و إلى التشديد في تطبيقها، سواء تعلقت بأعمال الفرد، دينية كانت أو دنيوية، أو تعلقت بتنظيم المجتمع ككل.
وإذا كان حيّز هذه الورقة لا يسمح بتناول كل التفاصيل المتعلقة بجميع هذه الحركات و بمختلف أصنافها، ولا من الرجوع إلى تأصيلها التاريخي، فإنّه من اللاّزم التوقف عند أهمّ تيّار مؤثر في وقتنا الحاضر، و مولّد، في جانب منه، للجماعات المتطرفة المستندة إلى فكره المتشدد و أيديولوجيته المغالية، ألا وهو التيار السلفي.
التيار السلفي: وحدة في الفكر، اختلاف في التطبيق
تجدر الإشارة بداية أنّ بعض الباحثين يميلون إلى اعتبار أنّ السلفية ليست تيارا واحدا بل تيارات عديدة و متنوعة إلى حدّ التناقض، و أنها عرفت تحولات عديدة خلال المائة سنة المنقضية، تجعل من الصعب التنبؤ باتجاهاتها وحصر خياراتها. و يتجه هؤلاء الباحثون إلى التأكيد على ضرورة التمييز بين السلفية الحقيقيّة و السلفية المشوَهَة المتأثرة بالفكر الوهابي وما لهذا الفكر من دور في تكريس هذا التشويه. كما يعتبرون أنّ انتحال السلفية من قبل بعض التنظيمات التي لا تمتُّ لهذا الفكر بأيّة صلة ساهمت في ترسيخ صورته السلبية.
و سواء كان التيار السلفي متعدد الاتجاهات أم لا، و مشوّها كان أم لا، فإنه يمكن بوجه عام، تفريعه إلى فرعين أساسيين : فرع قائم على نشر الإسلام "الصحيح" عن طريق الدعوة، وفرع جهادي قائم على إصلاح "ما فسد في الأرض" بقوة السلاح. إلاّ أنّهما فرعان يتفقان كامل الاتفاق حول بعض المسائل المفصلية. فبقطع النظر عن اتحادهما في مسألة جوهرية، تكاد تكون دينية بحتة، تتصل بوجوب العودة إلى الدين "الصحيح"، أي كما كان مطبقا أيام السلّف في عهد الرسول وفي عهد خلفاءه الراشدين، و تنقيته من كلّ الشوائب التي اعترته خلال القرون المتلاحقة، فإنهما يتفقان أيضا، و من الناحية المبدئية، حول مسائل دنيوية تتعلق بتنظيم المجتمع وبطبيعة الدولة وبالعلاقة بين الدين والسياسة و نظام الحكم.
فكلّ الاتجاهات السلفية تؤمن بأن الإسلام يتجاوز مجرد العلاقة بين العبد و خالقه ليتناول كل المسائل المتصلة بتنظيم الحياة داخل المجتمع، مهما كان هذا المجتمع، إذ أن الإسلام صالح لكل زمان و مكان، و بالتالي وجب نشره في كل مكان، و إقامة الدولة الإسلامية، و تعميم تطبيق الشريعة. ويستجيب ذلك إلى الحاجة إلى إعادة التوازن للحياة الإنسانية، بعد أن اقترب الإنسان من نهايته بتركه لدينه الصحيح. كما أن تحقيق ذلك سوف يمثل انتصارا على الغرب، وهو الذي يعتبره السلفيون مصدر انتكاسة الأمة الإسلامية. فقهر الغرب في المخيّلة السلفية هو مآل طبيعي وأمر حتمي سوف يتحقق لا محالة. في إطار هذا التصور الإيديولوجي، يمثل الإسلام الصحيح، الوسيلة الوحيدة التي سوف تمكّن من القضاء على "السيطرة الغربية ذات الطابع الإمبريالي" السيطرة التي تحركها و تتحكم فيها، وفق نظرية المؤامرة، "قوى الصهيونية العالمية". هذه القناعة بأنّ الإسلام مستهدف دوما، جعلت من فكرة الصراع الدائم مع الغرب مسألة حتمية، قد تؤدي كذلك إلى ضرورة المواجهة مع الأنظمة القائمة في الدول الإسلامية إذا ما تحالفت أو تقربت من الغرب و اتبعت منهاجه الاجتماعي و السياسي.
 من أجل ذلك فإنّ المجتمع لابدّ أن يكون إسلاميا و الدولة كذلك. معنى هذا أنّ السيادة الإلهية وحدها هي التي من حققها أن تتجلى وتسود، وليس للبشر أن يضعوا القواعد التي تسوس المجتمع. هذه الفكرة تبرر عند السلفية مناهضتهم لمبدئي الديمقراطية و التعددية، لكونهما غربيين من جهة و متعارضين مع مبدأ السيادة الإلهية من جهة أخرى (الفكرالوهابي، فكر المودودي و الجماعة الإسلامية في الهند ثم في باكستان). و تذهب بعض الجماعات السلفية الأكثر تشددا إلى حدّ تكفير من يؤمنون بفكرة الديمقراطية، إذ يعتبرون الديمقراطية من قبيل الشرك، ووصف الليبراليين أو اليساريين و كلّ العلمانيين بكونهم غير مسلمين، و التهجم أيضا على التيارات الأخرى الممثلة للإسلام السياسي، تلك التي تقبل المشاركة السياسية في إطار تعددي إلى جانب قوى أخرى مختلفة (الجماعة الإسلامية و الجهاد الإسلامي في مصر، جماعة الدعوة و الجهاد في الجزائر).
ومن أجل المحافظة على مجتمع إسلامي يلعب مفهوم "الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر" دورا جوهريا في الفكر السلفي، ويولي إلى وظيفة "الحسبة" مهاما أساسية لتنظيم المجتمع و الحرص على جعله يسير على النهج القويم. و في هذا الإطار فإنّ المجتمع لا يمكن أن يكون مجتمعا حرّا، إذ لا مكان فيه للاختلاف و التعدد، تطبق فيه نفس القواعد حتى على غير المسلمين، مع حفظ حقهم فقط في ممارسة شعائرهم الدينية.        
 ثمّ إنّ التيارات السلفية وإن اتحدت حول هذه الركائز الأساسية المشتركة فإنها تختلف في تصور طرق وضعها موضع التطبيق، الشيء الذي يدفع بوصف بعضها أنه أكثر تطرفا و غلوا من بعضها الآخر. وما من شكّ أن التيار الجهادي هو أكثر التيارات السلفية تشددا إذ أنه يبيح استخدام العنف لإدراك أهدافه.
تبرير العنف/ الجهاد
دون الخوض في تعريف الجهاد و في فلسفة وجوبه أو عدم وجوبه على المسلمين، فإنّ العنف المرتبط به في عصرنا الحاضر يمكن تقسيمه إلى نوعين: جهاد أفقي عندما يتعلق الأمر بأخذ المجتمع بالقوة وحمله على احترام التعاليم الدينية. و جهاد عمودي عندما يتعلق الأمر بمحاربة الدولة. كما يدخل ضمن الجهاد العمودي محاربة الأنظمة الغربية إما لعدوانها على الإسلام أو لمساندتها للأنظمة العربية التي تعتبرها التيارات الجهادية "كافرة". و نجد فكرة الجهاد العمودي عند الظواهري الذي طوّرها حديثا، في كتابه " فرسان تحت راية النبيّ" و الذي بيّن فيه خاصة الحاجة إلى نقل ساحة الجهاد إلى الغرب من أجل دفعه إلى وقف مساندته للأنظمة العربية و الإسلامية حتى تضعف هذه الأخيرة وتسقط.
تغيير المجتمع و تغيير الدولة
 الجماعات السلفية الجهادية كغيرها من الجماعات التيار السلفي تؤمن بأنّ أي تصور للمجتمع و الدولة لا يكون إلاّ في إطار الشريعة الإسلامية. و وفقا لهذا التصور فلابد من حماية المجتمع من أي منكر يرتكبه الأفراد. و تبرر الجماعات الجهادية في هذا الإطار، وفقا لقراءة معينّة للنصوص الدينية، استعمال العنف ضدّ كلّ من "ارتكب منكرا أو انتهك المحارم أو اعتدى على الأمن العام للمجتمع"، وبالتالي فإنّ هذه الجماعات تبرر تغيير المجتمعات بالقوة و جعلها تحافظ على "مستوى عال من الأخلاق الإسلامية" (حتى بالنسبة لغير المسلمين) و تطبيق الشريعة في كل أوجه الحياة و الدفع إلى أن تكون كل السياسات العامة مطابقة للشريعة، حتى وإن كان ذلك بتهديد الناس أحيانا في أرواحهم. فالجماعات الإسلامية الجهادية في مصر و كذلك في الجزائر تقلدت مهام شرطة الآداب وسلطت معاييرها الخاصة للخير و الشرّ على المجتمع و استعملت العنف لمعاقبة كل من اعتبرته معتديا على الإسلام، فهاجمت و عنفّت، لا فقط السافرات من النساء و محلاّت الدعارة و الأماكن التي توفر المحرّمات و جمهور المستهلكين الذين يرتادونها، ولكن كذلك الفنانين عموما على اختلاف توجهاتهم والفضاءات الفنية و فضاءات التفكير الحرّ، خاصة العلمانية منها.
أمّا فيما يتعلق بالدولة فإنها " كيان لا مشروع يحكمه نظام كافر"، هكذا تصف الجماعات الجهادية الدولة الوطنية المعاصرة. فلا طالما عارضت الجماعات الإسلامية السلفية وجود هذا الكيان في شكله الحالي وعارضت السياسات العمومية للدول العربية بحجة ابتعادها عن التعاليم الإسلامية. و اعتمدت الجماعات الجهادية في شرق العالم العربي و غربه مفهوم "التكفير" للتحريض ضدّ "الأنظمة الكافرة" وقلبها بالقوة و الدعوة إلى إقامة الدولة الإسلامية و عودة الخلافة و وضع حدّ لنظم الحكم المعتمدة حاليّا و التي تقترب من النمط الغربي، أيّ الكف عن اعتماد العمل بمبدأ فصل السلطات و النظّام الحزبي و وضع حدّ لمؤسستي الحكومة و البرلمان. و إذا لم تتمكن الجماعات من ذلك فهي تلجأ إلى تحريض الجماهير على عدم التعامل مع هذه المؤسسات و عدم الانتماء إليها و مقاطعتها (اقتداءً بنموذج الجماعة الإسلامية في الهند قبل انتقالها إلى باكستان بعد تأسيسه)،  وقد تلجأ الجماعات أيضا إلى المعاقبة البدنية ضدّ الأشخاص الذين لا يمتنعون عن ذلك (تجربة الجماعات الإسلامية المسلحة في الجزائر طيلة عشرية التسعينات من القرن الماضي).
وتصف الجماعات الجهادية العنف المستخدم في هذه الحالة بأنه عنف دفاعي، أي أنه عنف يستخدم للدفاع عن الطابع الإسلامي الذي يجب أن يسود في المجتمع و يحكم الدولة.
ختاما، و على ضوء إعلان قيادات بعض الجماعات الجهادية (الجماعة الإسلامية و جماعة الجهاد في مصر) عزم تنظيماتها على التخلي عن استخدام العنف ضدّ المجتمع و الدولة، و توخي منهج الاعتدال، علينا أن نلفت الانتباه إلى أنّ ذلك، رغم أهميته، لا يغيّر من الأمر إلاّ القليل. و ذلك لا فقط لأنّ هذه الجماعات تشكل أقليّة بالنسبة لمجموع الجماعات الجهادية الناشطة في العالم الإسلامي و خارجه، وإنّما أيضا و أساسا لأنّ الفكر السلفي السياسي المعاصر يبقى عموما فكرا مغاليا بطبيعته، ميّالا في ذاته إلى التشديد في مواضع التيسير، و لا يمكنه إذن إلاّ أن يولّد أجيالا من المتطرّفين سواء كانوا عنيفين أم لا.